عبد الوهاب الشعراني

58

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

فتنبه يا أخي لذلك ، فإن لكل مؤمن حظا من مقامه صلى اللّه عليه وسلم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « صلاة الرّجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرّجلين أزكى من صلاته مع الرّجل » . وكلما كثر فهو أحب إلى اللّه تعالى . قلت : ومن هنا واظب أهل اللّه تعالى على الصلاة في الجماعة الكبرى لكون الحق تعالى يحب صلاتنا فيها لا لعلة أخرى كما أنهم يحبون عفو اللّه عنهم لكونه تعالى يحب العفو لا لإدخال الراحة على أنفسهم بالعافية ، فافهم واللّه أعلم . وروى البزار والطبراني مرفوعا بإسناد لا بأس به : « صلاة الرّجلين يؤمّ أحدهما صاحبه أزكى عند اللّه من صلاة أربعة تترى ، وصلاة أربعة جماعة أزكى عند اللّه من صلاة ثمانية تترى ، وصلاة ثمانية يؤمّهم أحدهم أزكى عند اللّه من مائة تترى » واللّه أعلم . [ الصلاة في الفلاة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) إذا خرجنا لسفر أو نزهة أو غير ذلك ونزلنا في فلاة من الأرض أن نصلي فيها ولو ركعتين ، فإن حضر وقت فريضة أذنا لها وأقمنا وصليناها جماعة ، فإن لم يتيسر صليناها فرادى فردا فردا . وذهب بعضهم إلى أن صلاة الفرد في الفلاة أفضل من صلاة الجماعة في البلد . قلت : ولعل ما ورد في ذلك إنما هو تشجيع وتقوية عزم لمن يجد أحدا يساعده على الجماعة مع ضعف عزمه فما قوى داعيته إلى الصلاة في البرية إلّا وعد الشارع له بتضعيف الأجر ، ولولا ذلك ما وجد عنده داعية كلية إلى الصلاة في البرية أبدا لعدم من يراعيه هناك من الخلق ومن شأن الشارع أن يسوق الناس إلى عبادة ربهم بأمور شتى كل بما يناسب حاله ، وإلا فصلاة الجماعة لا تعادلها صلاته وحده أبدا من حيث الجماعة وإن فضلها صلاته وحده ، فإنما هو لما وجد فيها من الإخلاص مثلا دون صلاة الجماعة ، وعلى ذلك جمهور العلماء رضي اللّه عنهم ، فافهم واللّه تعالى أعلم . وروى أبو داود مرفوعا : « الصّلاة في الجماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة ، فإذا صلّاها في فلاة فأتمّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة » . وفي رواية لأبي داود أيضا : « صلاة الرّجل في الفلاة تضعف على صلاته في الجماعة » . وفي رواية لأبي داود أيضا : « فإن صلّاها بأرض قيّ فأتمّ ركوعها وسجودها كتبت له صلاته بخمسين درجة » . القي بكسر القاف وتشديد الياء : هو الفلاة كما هو مفسر في رواية أخرى لأبي داود .